ابن عطاء الله السكندري

60

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وإنّ عيوب الإنسان كثيرة ؛ منها ما هو نفسي ومنها ما هو قلبي ومنها ما هو روحي . وإن عيوب النفس وأمراضها منها ما هو ظاهر جلي كحب الشهوات الدنيوية من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ومنكح ، ويدخل فيها الغيبة والنميمة والغش والكذب وغير ذلك . ومنها ما هو باطن خفي ، ويسمى بالأمراض القلبية كحب التسلط على الخلق بالرياسة وحب العز والجاه والمداهنة والكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وغير ذلك . وأما العيوب المنسوبة إلى الروح ، فهي تعلقها بالحظوظ الباطنية كحب الاطلاع على المغيبات والأسرار الملكوتية وطلب الكرامات والمقامات وغير ذلك . فالإنسان العاقل هو الذي يتطلع ويتشوف إلى الاشتغال بعيوبه النفسية والقلبية والروحية ، فيعمل جهده في التخلص منها ، فيقوم بحقوق عبوديته للّه تعالى ، فإن هذا خير له من التطلع والتشوف إلى ما حجب عنه من غيوب الملكوت ، لأن اشتغاله بذلك يمنعه من القيام بحقوق الربوبية للّه تعالى وفي ذلك قال العارفون باللّه تعالى : « كن طالب الاستقامة ولا تكن طالب الكرامة ، فإن نفسك تدفعك لطلب الكرامة ، ومولاك يطالبك بالاستقامة ، ولأن تكون بحق ربك أولى من أن تكون بحظ نفسك » . فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا ممن يهتم بعيوب نفسه فيعمل على تطهيرها من الأخلاق الرديئة بدلا من الاهتمام بما حجب عنا من مغيبات لنتحقق بقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشّمس : 9 ، 10 ] ، فندخل في قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : 27 - 30 ] . الحكمة الحادية عشرة « 1 » : « اخرج من أوصاف بشريّتك ، عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك ، لتكون لنداء الحقّ مجيبا ، ومن حضرته قريبا » . شرح الحكمة : نمهد لشرح هذه الحكمة بالقول : إن الإنسان مركب من قوى مادية ومن قوى روحية ، لذلك كانت احتياجاته ومتطلباته كثيرة ومتنوعة . منها ما هو

--> ( 1 ) ورقمها ( 34 ) في النص الكامل للحكم .